أبي الفرج الأصفهاني
419
الأغاني
لكن غذاها اللبن الحرّيف والمخض والقارص والصّريف قال : فاحتفظت الأنصار حيث ذكر المد والتمر ، فقالوا لكعب بن مالك : انزل ، فنزل ، فقال : لم يغذها مدّ ولا نصيف لكن غذاها الحنظل النّقيف ومذقة كطرّة الخنيف تبيت بين الزّرب والكنيف [ 1 ] فقال رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم : اركبا . أخبرني الجوهريّ والمهلَّبي قالا : حدثنا عمر بن شبّة قال : حدثنا هوذة بن خليفة قال : حدثنا عوف بن محمد ، عن محمد بن سيرين ، في حديث طويل قال : المهاجمون لقريش من شعراء الأنصار كان يهجوهم يعني قريشا ، ثلاثة نفر من الأنصار يجيبونهم : حسان بن ثابت ، وكعب بن مالك ، وعبد اللَّه بن رواحة . وكان حسّان وكعب يعارضانهم بمثل قولهم ، بالوقائع والأيام والمآثر ، ويعيرانهم بالمثالب ، وكان عبد اللَّه بن رواحة يعيّرهم بالكفر ، وينسبهم إليه ، ويعلم أن ليس فيهم شيء شرّ من الكفر ، فكانوا في ذلك الزمان أشدّ شيء عليهم قول حسان وكعب ، وأهون شيء عليهم قول ابن رواحة ، فلما أسلموا وفقهوا الإسلام ، كان أشد القول عليهم قول ابن رواحة . يستأذن الرسول في هجاء قريش أخبرني الجوهريّ والمهلَّبيّ قالا : حدثنا عمر بن شبة قال : حدثنا عبد اللَّه بن بكر السّهميّ قال : حدثني حاتم بن أبي صغيرة قال : حدثنا سماك بن حرب قال : أتي رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم فقيل : إن أبا سفيان بن الحارث بن عبد المطلب يهجوك ، فقام ابن رواحة ، فقال : يا رسول اللَّه ائذن لي فيه . فقال له : أنت الذي تقول : فثبّت اللَّه ؟ قال : نعم يا رسول اللَّه ، أنا الذي أقول : فثبت اللَّه ما أعطاك من حسن تثبيت موسى ، ونصرا كالذي نصرا فقال : وأنت فعل اللَّه بك مثل ذلك . قال : فوثب كعب بن مالك فقال : يا رسول اللَّه ، ائذن لي فيه . فقال : أنت الذي تقول : همّت ؟ قال : نعم يا رسول اللَّه ، أنا الذي أقول : همت سخينة أن تغالب ربّها وليغلبنّ مغالب الغلَّاب [ 2 ] فقال : أما إن اللَّه لم ينس لك ذلك . الرسول يحكم بحسن شعره أخبرني الجوهريّ والمهلبيّ قالا : حدّثنا عمر بن شبّة قال : حدّثنا عبد اللَّه بن يحيى مولى ثقيف قال : حدّثنا عبد الواحد بن زياد قال : حدّثنا مجالد ، عن الشعبيّ قال :
--> [ 1 ] المذقة : الشربة من اللبن الممزوج . والطرة : الحاشية . والخنيف : نوع غليظ من أردأ الكتان . شبه بحاشيته اللبن الممزوج في لونه ، لتغير لونه وذهابه بالمزج . والزرب : الحظيرة تأوي إليها الأغنام . والكنيف : الموضع الساتر . يريد أنها تعلف في الحظائر والبيوت ، لا بالكلأ في المراعي . ويلاحظ أن البيتين الأخيرين من الرجز فيهما إقواء . [ 2 ] سخينة : طعام من دقيق وسمن أو دقيق وتمر أغلظ من الحساء . وكانت قريش تكثر من أكلها فعيرت بها ، حتى سموا سخينة .